أبو الليث السمرقندي

274

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فقال عبيد : زر غبّا تزدد حبّا فقال ابن عمر : دعونا من هذا ، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبكت بكاء شديدا ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي ، فقال : « يا عائشة أتأذنين لي أن أعبد ربّي » فقلت : واللّه إني لأحب قربك ، واللّه إني لأحب هواك . فقام إلى قربة ماء فتوضأ ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره ، ثم اتكأ على شقه الأيمن ، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ، فبكى حتى روت الدموع الأرض . ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر ، فلما رآه يبكي قال : أتبكي يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : « يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ، وما لي لا أبكي وقد أنزلت عليّ اللّيلة إن فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . - إلى قوله - فَقِنا عَذابَ النَّارِ ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها » . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تفكّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « تفكّر ساعة خير من عبادة سنة » . ثم قال تعالى عز وجل : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون : ربنا ما خلقت هذا باطلا عبثا بغير شيء ، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار . وقال الزجاج : معنى سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدّقنا رسلك ، وسلّمنا أن لك جنة ونارا فَقِنا عَذابَ النَّارِ . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني : ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم ، ويقولون أيضا : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمدا يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم ، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا . وقال محمد بن كعب القرظي : ليس كل الناس لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن المنادي هو كتاب اللّه يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي : الذنوب الكبائر ودون الكبائر ، والسيئات الشرك . وقال الضحاك : ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية ، وكفر عنا سيئاتنا ، يعني : ما عملوا في حال الإسلام . ويقال : الذنوب والسيئات بمعنى واحد . ويقال : الذنوب هي الكبائر ، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين ، ويقال : اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين . ويقولون أيضا : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك . ويقال : هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين ، وهو قوله : وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم - عليهم السلام - للمؤمنين . ثم قال تعالى : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا ، ويقال : لا تخذلنا إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر اللّه